

السرطان الذي يفتك بكل خطط التنمية هو الفساد، الذي يجد منفذاً له من خلال التقصير في مراقبة تنفيذ المشاريع وبعض الأوامر التغييرية التي تذهب بالخطة الى غير أهدافها وبالمشروع الى غير كلفته المقررة.
لقد تطور علم المحاسبة وأصبح يعتمد على دراسات جدوى تلامس الواقع وتتنبأ بالمشكلات، فمن أين تطرأ تلك التغيرات التي تنهش المشروع وتحطم الطموح وتؤخر الإنجاز.
هل يمكننا أن نواجه تفشي الفساد بلجان التحقيق؟ لقد ثبت أن اللجان لا تستطيع لأسباب علمية أحيانا وسياسية في الغالب- أن تمضي في اتخاذ الاجراءآت التي تعوض ما هدر فعلا تحت مسميات متعددة، ولا هي قادرة على تفادي حدوث الهدر مرة ثانية مادام أن الذهنية التي تحرك المشاريع والادارة التي تتحكم في التخطيط والتنفيذ لاتزال متهاونة في امكانات الهدر والتسرب الناتجة عن الفساد وأحيانا عن الاهمال الذي لا يقل خطورة عن الفساد.
الرقابة المسبقة والمتابعة اللاحقة، هذا هو الحل الأنجع الذي اكتشفه العالم، وحتى في أرقى الدول لاتزال تقنيات النهب متقدمة على آليات المراقبة، وادارات العالم تضيف في كل يوم ضوابط جديدة، مستفيدة من ابداعات ملوك السرقة المنظمة للمشاريع الكبرى.
فكيف هي الحال في دول تتمتع بملاءة مالية تسمح بالهدر غير المنظور وعلى طريقة دبيب النمل، وليس فيها ادارة يقظة وفعالة ومتابعة، ثم نأتي الى المشكلة الأكبر، فاذا اتفقنا على كل أنواع الرقابة، وأصدرنا القوانين، يبقى اختيار الأشخاص الذين لا يخافون في رقابة المال العام لومة لائم. فمن هم اولئك الذين لا يرون في المسألة الا بعدها التقني من دون أي التفات لأبعادها السياسية؟ ومن هم اولئك الذين ينسون في عملهم كل الانتماءات الا الانتماء للوطن... كل الوطن؟.
تتشكل هذه اللجان الرقابية على المشاريع من تكنوقراط رفيعي المستوى، لديها سلطات التفتيش المركزي وصلاحيات التدخل في كل مرحلة من مراحل التنفيذ، وتتلقى تقارير دورية جمعتها بواسطة موظفيها، وتمنح هذه الفئة من الاختصاصيين تقديمات مالية مرموقة ستكون - مهما كبرت - أقل بالملايين والبلايين مما يمكن أن يهدر من دون رقابة.
لجان تكنوقراط متخصصة تدير القطاع العام بذهنية القطاع الخاص وبتقنيات العلم الذي يحصي حبة الرمل، والجزء من الدينار... فأين هؤلاء؟ هل يمكن أن تعدم الكويت أمثالهم؟ وهل يمكن أن تخلو المنطقة العربية من أمثالهم اذا لم نجد من يقوم بهذا الدور الكبير من كفاءات البلد.
نعم لا ينقصنا الرجال ولكن تنقصنا الارادة السياسية لمواجهة مرض يفتك بارث الأجيال القادمة ويهدد المكانة المالية للكويت على المديين المتوسط والبعيد.
نقاشات مجلس الأمة كانت مفيدة في هذا الصدد ولكن لا ترتفع المسؤولية عن الجميع حكومة ومجلساً بمجرد الكلام، فلنبادر الى تشكيل لجان مكافحة الفساد ولنحمها من التخلف والسياسة، لتعمل بعلم واطمئنان ومن دون خوف وحسابات هي حتما تهديد دائم للمصلحة العامة.
جميع الحقوق محفوظة لموقع موسوعة نينوى _ ثقافة ونشر ألكتروني _ بوابة ألمقالات